الرباط-أسامة بلفقير
يشهد الأمن في منطقة الساحل الأفريقي تدهوراً متسارعاً، حيث تتوالى الأحداث الدامية والاختطافات التي تستهدف المدنيين والعاملين في المجال الإنساني. وقد زاد اختطاف السائقين المغاربة الأخير من حدة القلق حول الوضع الأمني المتأزم في هذه المنطقة.
يمثل الوضع الأمني في منطقة الساحل تحدياً كبيراً للمجتمع الدولي. ويتطلب حل هذه الأزمة تعاوناً دولياً واسعاً، واعتماد استراتيجيات متكاملة تشمل مكافحة الإرهاب، وتعزيز التنمية المستدامة، وحماية المدنيين. كما يجب على الدول في المنطقة تعزيز التعاون الأمني، وتبادل المعلومات الإستخباراتية، لمواجهة هذا التهديد المشترك.
اختطاف السائقين المغاربة: نافذة على واقع مرير
حادثة اختطاف السائقين المغاربة، والتي وقعت في منطقة حدودية بين بوركينا فاسو والنيجر، ليست حادثة معزولة، بل هي حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي تشهدها المنطقة. هذه الحادثة تكشف عن عدة حقائق مؤلمة: تشير هذه الحادثة إلى توسع رقعة نفوذ الجماعات المسلحة في منطقة الساحل، وقدرتها على تنفيذ عمليات خطف معقدة في مناطق واسعة. كما تعتبر هذه العمليات تهديداً مباشراً للأمن القومي للدول في المنطقة، وتؤثر سلباً على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
يعاني المدنيون في منطقة الساحل من تداعيات خطيرة جراء هذه الأحداث، حيث يتعرضون للتشريد والفقر وانعدام الأمن الغذائي. كما أن هذه الأحداث تؤثر سلباً على الاقتصاد المحلي والإقليمي.
أسباب تفاقم الوضع الأمني في الساحل
تتعدد الأسباب التي أدت إلى تفاقم الوضع الأمني في منطقة الساحل، ومن أهمها الفقر والتهميش التي يعاني منها سكان المنطقة، مما يجعلهم عرضة للتجنيد من قبل الجماعات المسلحة. وتعاني بعض دول الساحل من ضعف مؤسسات الدولة، مما يخلق فراغاً أمنياً تستغله الجماعات المتطرفة.
وتؤدي التدخلات الخارجية في المنطقة إلى تعقيد الأوضاع، ودعم الجماعات المتطرفة.
آثار الوضع الأمني على المنطقة والمجتمع الدولي
يترك الوضع الأمني المتدهور في منطقة الساحل آثاراً سلبية واسعة النطاق، منها تهديد الاستقرار الإقليمي، إذ يشكل الوضع الأمني في الساحل تهديداً خطيراً للاستقرار الإقليمي، وقد يؤدي إلى انتشار العنف والتطرف في دول أخرى. كما يؤدي النزاع والعنف إلى تهجير أعداد كبيرة من السكان، مما يزيد من أعباء الدول المجاورة. وتؤثر الأوضاع الأمنية سلباً على التجارة الدولية في المنطقة، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع وتدهور الأوضاع الاقتصادية.
ويؤدي تدهور الأمن في منطقة الساحل إلى انتشار الجريمة المنظمة، حيث يستغل المجرمون الوضع الأمني المتدهور لتنفيذ عمليات تهريب الأسلحة والمخدرات والبشر.
موقع المغرب من الوضع الأمني في الساحل
اهتمام المغرب بمنطقة الساحل الأفريقي ينبع من تعقيد التحديات الأمنية التي تواجهها تلك المنطقة، مثل تنامي الإرهاب، والجريمة المنظمة العابرة للحدود، التي تشمل تهريب المخدرات، والاتجار بالبشر، والأسلحة.
هذه التحديات وضعت الأمن القومي المغربي تحت ضغط لمسؤولية واضحة بسبب قربه الجغرافي وتأثير الأحداث في الساحل على استقراره الداخلي. إضافةً إلى التهديدات المستجدة، تولي المملكة عمقها الاستراتيجي أهمية كبرى لدورها في تعزيز الاستقرار في الساحل من خلال التعاون الإقليمي والدولي.
يعكس الوعي المغربي، وفق تقرير لمركز الإمارات للسياسات، بالطبيعة المعقّدة للمشكلة الأمنية في المنطقة، التي تمتد عبر مساحة واسعة تزخر بالموارد مثل النفط، الغاز الطبيعي، واليورانيوم. لكن هشاشة الحدود هناك تمكّن الجماعات الإرهابية من العمل بحرية أكبر.
ويرى المركز أنه في ظل التطورات الأخيرة التي شهدتها المنطقة، وبالرغم من المبادرات الإقليمية كـ”مجموعة الدول الخمس في الساحل”، لا تزال منطقة الساحل تواجه تصعيداً لوتيرة الهجمات الإرهابية، خاصة مع اندماج بعض الجماعات المسلحة الرئيسية في تشكيلات أكثر قوة مثل “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”.
هذا التحالف عزز علاقته بالجريمة المنظمة، مما مكّنهم من توسيع الموارد المالية والسيطرة على بعض المناطق. ومع ذلك، تصاعدت التحديات الأمنية بعدة مستويات، واستمر القلق الدولي والمحلي حول الأوضاع المضطربة.
وفيما يخص المقاربة المغربية، فهي تنبع من مزيج من المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية، حيث يسعى المغرب إلى لعب دور حاسم في مساعدة دول المنطقة على تحقيق استقرار دائم عبر استراتيجيات شاملة، تشمل سياسات مكافحة الإرهاب والتنمية المستدامة.
هذا الجهد يتطلب مواجهة التحديات التي تمثلها بعض الأطراف المتورطة بشكل أو بآخر مع العناصر الإرهابية أو الجريمة المنظمة في الساحل.
مسؤولة أممية تحذر
قدمت مارثا بوبي، مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون أفريقيا، إحاطة لمجلس الأمن، سنة 2023، تناولت فيها التدهور المستمر للأوضاع الأمنية والإنسانية في منطقة الساحل.
وأشارت إلى أن الجماعات المسلحة غير الحكومية تواصل تنفيذ هجمات واسعة النطاق ضد الأهداف المدنية والعسكرية، وتسعى للسيطرة الإقليمية والنفوذ عن طريق المواجهات والصراع على الموارد.
وأوضحت بوبي أن مناطق الحدود، لا سيما منطقة الحدود الثلاثية بين بوركينا فاسو ومالي والنيجر، تشهد نشاطات إرهابية متزايدة.
وحذرت من تفاقم الأزمة الإنسانية في ظل هذا التدهور، حيث يعاني الملايين من السكان من أوضاع صعبة. ففي بوركينا فاسو، ارتفع عدد المحتاجين إلى المساعدة الإنسانية هذا العام إلى 4.7 مليون شخص، مع وجود أكثر من مليوني نازح داخلياً. بينما في مالي، يزيد العدد إلى نحو 8.8 مليون شخص.
أكدت بوبي “الحاجة الملحة” لإحراز تقدم ملموس في مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف والجريمة المنظمة في المنطقة. وأشارت إلى أنه بدون هذه الجهود، ستسوء الأوضاع الأمنية وقد تمتد دائرة انعدام الأمن إلى بلدان غرب أفريقيا الساحلية.
وأضافت أن زعزعة الاستقرار المستمرة في السودان تثير المزيد من القلق، محذرة من التأثيرات المدمرة الممتدة لهذا الاضطراب الأمني خارج حدود المنطقة والقارة الأفريقية.
المغرب لاعب رئيسي في تحقيق الأمن بمنطقة الساحل والصحراء
يرى محمد بنحمو، رئيس المركز المغربي للدراسات الإستراتيجية، أن المملكة المغربية تعمل بجد على مواجهة مختلف التحديات الأمنية التي تعترض منطقة الساحل والصحراء، وتسعى لضمان استقرارها وازدهارها.
خلال مداخلته في المؤتمر الذي ناقش موضوع “تغيير نموذج الأمن في غرب آسيا: سبل التصدي الإقليمية والدولية”، في نيودلهي، أشار بنحمو إلى أن المغرب يعد البلد الوحيد الذي يحتفظ باستقراره وسط منطقة تشهد العديد من التوترات والتقلبات.
ويعود هذا الاستقرار إلى اعتماد المغرب نهجًا أمنيًا استباقيًا يعتمد على التنمية البشرية، وإصلاح الحقل الديني، وتأهيل الأئمة والمرشدين، وتحسين الحوكمة الأمنية، وتطوير التحليل الاستراتيجي.
وأوضح بنحمو أن المغرب تبنّى عقب تفجيرات الدار البيضاء في 16 ماي2003 استراتيجية أمنية شاملة مكنته من مواجهة تحديات داخلية وخارجية وتعزيز مكانته على الساحة الدولية.
كما أكد أن المملكة ركّزت جهودها على مكافحة الفقر والأمية بإطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي تهدف للقضاء على مظاهر التهميش والهشاشة.
في السياق ذاته، أشار المتحدث إلى سياسة المغرب في إصلاح الحقل الديني لمحاربة التطرف والتشدد، من خلال تأطير وتدريب الوعاظ.
وأكد أن المملكة تسعى إلى تقاسم تجربتها مع الدول الأخرى بتوفير التدريب اللازم للأئمة من دول مختلفة، بهدف ترسيخ قيم التسامح والاعتدال، خصوصًا في إفريقيا.
وتطرّق بنحمو إلى التحديات الأمنية الراهنة في شمال إفريقيا نتيجة تداعيات “الربيع العربي”، ومن أهمها ظهور جماعات إرهابية ومليشيات مسلحة، إضافة إلى الاضطرابات السياسية والصراعات الأهلية والعنف الطائفي
وأشار أيضًا إلى زيادة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالأسلحة باعتبارها تهديدات جدية للمنطقة. يهدف هذا المؤتمر، الذي نظمه المعهد الهندي لدراسات وتحليلات الدفاع، إلى دراسة وتحليل المستجدات الأمنية العالمية خصوصًا في غرب آسيا، ووضع خطط لمواجهة التحديات الأمنية بهدف تعزيز الأمن والاستقرار.
خلاصة القول، دور المغرب في الساحل الأفريقي ليس مجرد مسألة جغرافيا أو مواجهة تحديات الإرهاب، بل هو امتداد لسياسة تقوم على تعزيز التعاون الإقليمي لصالح الاستقرار المشترك.