24 ساعة ـ عبد الرحيم زياد
مرّ عامٌ على وصول باسيرو ديوماي فاي إلى سدة الرئاسة في السنغال، مدعومًا بتحالف “الأفروسنتريك” بقيادة عثمان سونكو، ليصبح رمزًا للأمل في التغيير بعد حملة انتخابية مفعمة بالشعارات الشعبوية الملتهبة. لكن، مع مرور الوقت. بدأت تظهر الفجوة بين تلك الوعود الطموحة والتحديات الواقعية للحكم. حيث يواجه النظام الجديد تراجعًا اقتصاديًا وتناقضات سياسية تهدد بتقويض الثقة في مشروعه “التحرري”.
الاقتصاد: من الشعارات إلى الأرقام القاتمة
كان الاقتصاد أحد أبرز المحاور في خطاب “الأفروسنتريك”، مع وعود بتعزيز السيادة الاقتصادية وتقليص الاعتماد على الخارج. لكن الواقع جاء مغايرًا، إذ انخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي من 4.8% في 2022 إلى 3.5% في 2023، وفق تقديرات البنك الدولي، فيما قفز التضخم إلى 9% نتيجة ارتفاع أسعار الغذاء وضعف الفرنك الأفريقي. الأسوأ من ذلك هو هروب الاستثمارات الأجنبية، حيث نقلت شركات مثل “إس إس إس إنترناشيونال” نشاطها الزراعي إلى ساحل العاج، بينما اتجهت شركات اتصالات إلى موريتانيا. يُعزى ذلك إلى سياسات مالية متذبذبة، كرفع الضرائب على القطاع الخاص دون تخطيط مسبق، وغياب استراتيجية واضحة للتعامل مع الشركاء التقليديين مثل فرنسا، مما أفقد المستثمرين الثقة في استقرار السوق السنغالية.
السياسة الخارجية: تناقضات بين التحرر والبدائل
رفع فاي وسونكو خلال الحملة شعار “التحرر من الهيمنة الفرنسية”، ونجحا فعلاً في دفع فرنسا لسحب قواتها من قاعدة “سانت لويس” في 2023. لكن المفاجأة كانت في قرار الحكومة طلب إنشاء قاعدة عسكرية لـ”أفريكوم” الأمريكية على أراضيها، وهو ما أثار جدلاً حادًا. فبينما وعد “الأفروسنتريك” باستقلالية تامة عن القوى الاستعمارية، يبدو أن استبدال النفوذ الفرنسي بالأمريكي قد قلب الطاولة على الخطاب التحرري، حيث وصف منتقدون هذه الخطوة بـ”استعمار جديد تحت مسميات مختلفة”. كما ظل وعد استعادة الأراضي المتنازع عليها مع موريتانيا مجرد حبر على ورق، مما عزز الانطباع بأن الشعارات كانت أكبر من القدرة على التنفيذ.
التحديات الجيوسياسية: ضغوط داخلية وإقليمية
في الوقت الذي تستقطب فيه دول الجوار، مثل موريتانيا وساحل العاج، استثمارات إقليمية بفضل استقرارها النسبي. تجد السنغال نفسها عالقة بين مطرقة الضغوط الشعبية لتحسين الأوضاع المعيشية وسندان الالتزامات الدولية. فالمؤسسات المالية، مثل صندوق النقد الدولي. تفرض إصلاحات صارمة تتعارض مع الوعود الشعبية بزيادة الإنفاق الاجتماعي. أمنيًا، يُبرر النظام طلب “أفريكوم” بضرورة مواجهة الإرهاب في منطقة الساحل. لكن هذا القرار قد يشعل توترات مع الجيران، خاصة مع صمت “الإيكواس” الذي يثير التساؤلات حول موقفها من هذا التحول.
ثورة تحت المجهر
بعد عام من حكم “الأفروسنتريك”، يتضح أن الخطاب العاطفي الذي أشعل حماس الشباب والمهمشين. لم يتمكن من مجاراة تعقيدات إدارة دولة تواجه إرثًا استعماريًا ثقيلاً وأزمات اقتصادية عالمية. النوايا المعلنة لبناء “السنغال الجديدة” تصطدم بحقائق التبعية الاقتصادية والضغوط الخارجية. مما يضع تحالف “فاي” و”سونكو” أمام اختبار حقيقي: هل يمكن للشعارات أن تتحول إلى إنجازات ملموسة. أم أن بريق “الأفروسنتريك” بدأ يخبو تحت وطأة الواقع؟