إعداد : عماد المجدوبي
منذ ما يزيد عن العقدين من الزمن، تحولت التجربة المغربية في مجال التصدي للخطر الإرهابي إلى نموذج يحتذى به عبر العالم، تتقاطر عليه أقوى أجهزة الأمن عبر العالم لطلب خبرته وتعاونه.
استراتيجية المملكة في هذا المجال تقوم على محاور متعددة، على رأسها قوة أجهزته الاستخباراتية التي ساهمت في التصدي لعدد من المخططات ليس فقط داخل المملكة، بل على صعيد دول صديقة وشقيقة بفضل تعاون أمني منقطع النظير.
في هذه الحلقات، تسلط جريدة “24 ساعة” الضوء على أحداث وقضايا، استطاعت الأجهزة الأمنية المغربية أن تتصدى لها باحترافية كبيرة، وتثبت نجاعتها وفعاليتها كفاعل أساسي في حماية أمن وطمأنينة الوطن والمواطنين.
الحلقة الرابعة:
موازاة مع جماعة الصراط المستقيم التي نسب تزعمها الى زكرياء الميلودي، ظهرت جماعة أخرى أطلق عليها جماعة “الهجرة والتكفير” التي تبنت مبدأ السرية والاستعداد الأكبر للعنف، وكانت خليطًا من الأفكار التكفيرية التي تنتقد الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.
يمثل هذا التيار نموذجًا للطائفة الدينية الانطوائية والمنعزلة على ذاتها، والتي تركز رؤيتها للعالم على الانفصال والقطيعة التامة مع المجتمع في صورته الأكثر جذرية، انطلاقًا من مفهومين أساسيين: التكفير والهجرة.
بدأت أولى بوادر ظهور تيار الهجرة والتكفير في المغرب في منتصف التسعينيات على يد الشيخ ابن داود الخملي، الذي كان يعمل بائعًا للأعشاب المستخدمة في الطب التقليدي في ضواحي مدينة الدار البيضاء وبالضبط بالحي الصفيحي سيدي مومن وأيضا الهراويين واحياء قصديرية مجاورة يطلق عليها “الشيشان”، قبل أن يصبح أحد رموز تيار الهجرة والتكفير.
نشط الخملي خلال شبابه في الحركة الماركسية في المغرب في نهاية الستينات، قبل أن يتحول إلى التيار الإسلامي في السبعينات ضمن صفوف الشبيبة الإسلامية. وبعد الانشقاق الذي شهدته الشبيبة بعد عام 1975، انفصل عنها وأصبح أكثر راديكالية بعد تأثره بتيار الهجرة والتكفير في مصر.
فبعد إعدام سيد قطب عام 1966، وحملة الاعتقالات الواسعة التي استهدفت جماعة الإخوان المسلمين، انشق عدد من أعضاء الجماعة وأسسوا تنظيم “جماعة المسلمين”، والتي عُرفت على نطاق واسع باسم “جماعة التكفير والهجرة”، بقيادة شكري مصطفى، الذي كان تلميذًا نجيبًا لسيد قطب.
تزعم هذا الاخير جماعة التكفير والهجرة داخل السجن بعد أن تبرأ مؤسسها، الشيخ علي إسماعيل، من أفكارها. تطورت فكرة التكفير والانفصال عن المجتمع والدولة داخل السجون المصرية في ذلك الوقت خلال الفترة الناصرية. ولم يتم تكفير هرم السلطة فقط، بل شمل أيضًا رئيس الدولة والحكومة والقضاة ورئيس مجلس النواب وقادة الجيش، بالإضافة إلى جميع الموظفين في أجهزة الدولة، حيث وُصفوا بأنهم “أعوان الطواغيت”. وفي الدائرة الثالثة، تم تكفير المجتمع بأكمله باستثناء مجموعة الانتماء التي تشمل بضع عشرات من الأفراد.
في عام 1998، تورط أحد أتباع داود الخملي، المدعو اليخلوفي، في محاولة قتل شرطي مرور بحي البرنوصي بالدار البيضاء. ووجهت اليه بتهمة المشاركة في محاولة القتل. كما وُجّهت إليه تهمة إخفاء جثة والدته بعد أن دفنها قرب مقر سكنه في جبل العروي بإقليم الناظور، بدعوى عدم وجود مقابر مسلمة, فهناك عاش في جمع النفايات بأحد المطارح بعد أن مزق كل أوراقه الرسمية. ونتيجة لتلك التهم، أدانته غرفة الجنايات بمحكمة الاستيناف بالدار البيضاء عليه بالسجن لمدة 30 عامًا.
قبيل اعتقاله من قبل المصالح الأمنية، صرّح الخملي بأنه قضى عشر سنوات في دراسة مؤلفات ابن تيمية وابن قيم الجوزية، وأنه يكفّر كل الجماعات. كما أشار إلى أنه لا يصلي في المساجد ولا يؤدي صلاة الجمعة لأنها تُقام في نظره في بلد كافر، وكان يسعى ويحرض على القتل والتفجير والتخريب.
تُظهر حالة داود الخملي ومجموعته نموذجًا للتهميش الاجتماعي الذي قد يؤدي إلى التطرف، حيث كان هو وأتباعه يشتغلون في مهن بسيطة، مما جعلهم عرضة لتبني أفكار متطرفة.ونشر سمومها في أوساط الشباب . ولذلك فبالإضافة إلى تيار ابن داود الخملي، ظهرت تعبيرات تكفيرية أخرى في تلك الفترة، واتخذت شكل مجموعات صغيرة تعمل في سرية وعزلة عن المجتمع. هذا التوجه يمثله بشكل مستقل كل من ميلودي زكريا ويوسف فكري، اللذين يُعتبران من أبرز رموز التيار التكفيري. يُنظر إليهما كنموذجين لسياسات الإقصاء والتهميش ودورها في إنتاج التطرف التكفيري “الحاقد” على المجتمع.
تشترك أغلب الجماعات المتطرفة في تبني الفكر التكفيري المرتكز على:
1. التكفير الشامل: تكفير الحكومات والمجتمعات والمؤسسات الدينية الرسمية.
2. الهجرة والعزلة: الدعوة إلى ترك المجتمع والعيش في تجمعات منعزلة بعيدًا عن “الجاهلية”.
3. الجهاد المسلح: استخدام العنف ضد من يعتبرونهم “أعداء الإسلام”.
4. رفض الدولة والقوانين: اعتبار الدولة المغربية كيانًا غير شرعي يجب مقاومته.
وتعاملت السلطات مع هذا التيار بصرامة، خاصة بعد تفجيرات الدار البيضاء عام 2003، حيث شنت حملات اعتقال واسعة ضد المشتبه في انتمائهم لهذا الفكر. كما اعتمدت السلطات مقاربة تجمع بين المواجهة الأمنية والإصلاح الديني، عبر تأطير الحقل الديني وإعادة تأهيل بعض المعتقلين.
ولا تزال أفكار التكفير والهجرة تشكل خطرًا مستمرًا، خاصة مع انتشار الإنترنت كوسيلة لتجنيد الشباب وترويج الفكر الجهادي. كما أن التحولات الإقليمية، مثل صعود الجماعات المتطرفة في مناطق النزاع، قد تسهم في إعادة إحياء هذا التيار الذي كان وراء هجمات 16 ماي 2003 وما تلاها من مشاريع تخريبية.
مراجع :