24 ساعة-متابعة
تتسم الاحتفالات الدينية في المجتمع المغربي بتجليات ثقافية فريدة تعكس تاريخه، ويمثل عيد الفطر المبارك في المغرب مناسبة ذات خصوصية تتجلى في مجموعة من العادات والتقاليد المتوارثة، غير أن التحولات المجتمعية المعاصرة تفرض تساؤلات حول مدى استمرار هذه الموروثات وتكيفها مع أنماط الحياة المستجدة.
في هذا السياق، قالت بشرى المرابطي الأخصائية النفسية والباحثة في علم النفس الاجتماعي، في حوار خاص لـ”24 ساعة” إنه ترسخت في المجتمع المغربي عادات وتقاليد مميزة للاحتفال بعيد الفطر المبارك، عبر تاريخ طويل، يمكن تلخيص جوهرها في عدة محاور أساسية.
أولا، تبدأ الاستعدادات للعيد بتنظيف المنازل والتحضير لما يعرف بـ “العواشر”، وهي مجموعة من المشتريات الخاصة بالعيد، ثانيا، يولي المغاربة اهتماما خاصا بتحضير الحلويات المتنوعة، بالإضافة إلى تجهيز مائدة الإفطار والغداء التي تهدف إلى إدخال البهجة على أفراد الأسرة واستقبال الضيوف.
والنقطة الثالثة البارزة هي شراء الملابس الجديدة، التي كان يحرص الكبار على اقتنائها في الماضي، لكن في السنوات الأخيرة أصبح التركيز بشكل أساسي على ملابس الأطفال. وأخيراً، تعتبر الزيارات العائلية جزءاً لا يتجزأ من هذه المناسبة الدينية والاجتماعية.
في ظل التحولات التي يشهدها المجتمع المغربي في العصر الحالي، هل تخلى المغاربة عن عاداتهم وتقاليدهم الأساسية في الاحتفال بالعيد؟
تثار انتقادات حادة تجاه بعض المظاهر الاحتفالية الجديدة، حيث يتهم البعض، سواء عبر منصات التواصل الاجتماعي أو في محيطهم الاجتماعي، بأنهم تنكروا لعاداتهم ولطابع الاحتفال الأصيل، ويمكن القول أنه قد وقع تغيير وتكيف في طريقة الاحتفال بالعيد، بما يتناسب مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية وإيقاع الحياة العصرية، خاصة في المدن الكبرى.
ومع ذلك، لم يحدث تخلي عن العادات الأصيلة، بل تم الحفاظ على الهوية المغربية للعيد، أو ما يُسمى بـ”تمغرابيت”.
ويمكن ملاحظة هذه التغييرات في عدة نقاط، أولها هو التغير في مفهوم السعادة وفرحة العيد، إذ أصبح هناك وعي أكبر بهذا المجال، مما دفع الناس إلى الحرص على جلب كل ما يمكن أن يدخل الفرحة على الأشخاص.
بدلا من أن تسرق السعادة بسبب التعب الذي كان يصاحب التحضيرات التقليدية، بدأ ما يُسمى بـ “تفويض المهام”، خاصة لدى الموظفات، بل وحتى بين النساء غير الموظفات.
كيف تجلى هذا “التفويض” في مظاهر الاحتفال الحديثة، وما هي أبرز الأمثلة على ذلك في المدن الكبرى؟
هذه المظاهر أصبحت واضحة في المدن الكبرى، حيث استبدل التنافس بين النساء في تحضير الحلويات والمأكولات بالاعتماد على شراء الحلوى وبعض مستلزمات المائدة.
ففي الماضي، كانت النساء يتنافسن في التحضير الذاتي للحلويات والمأكولات، بل كان يتم السهر حتى ليلة العيد من أجل تحضير الطعام، ولم يكن من المعتاد التحضير قبل أيام واستخدام الثلاجات كما يحدث الآن.
وهذه العادات كانت سائدة في الأحياء الريفية، حيث كان الخبز الطازج يُخبز في الفرن، وإذا تبقى منه شيء، لم يكن يُستخدم مرة أخرى.
مظهر آخر يتجلى في تغيير برنامج يوم العيد، الذي كان يقتصر سابقا على زيارة العائلات، بينما اليوم، وبعد زيارة الأقارب، أصبحت الأسر تخرج إلى المقاهي أو الملاعب أو أماكن الترفيه الأخرى، وذلك بهدف جلب المزيد من الفرحةوالشعور بالسعادة في يوم العيد، وهذا يعكس احتياج الناس للاستمتاع بهذا اليوم المميز.أما في الماضي، فكانت أيام العيد الثلاثة تخصص كلها لزيارة العائلات من الأقربين إلى الأبعد.
هل يعكس هذا التوجه الجديد تحولا في القيم الاجتماعية وأولويات الاحتفال بالعيد لدى الأجيال الشابة؟
إن هذه التغييرات هي تغييرات جزئية لم تمس جوهر العيد، لأن مظاهر الاحتفال ظلت كما هي، وما زالت عادة الصلاة في العيد قائمة.
الجديد في هذه العادات هو توجه النساء إلى المصلى والمساجد، وذلك بفضل الوعي الديني الذي ساهم فيه ارتفاع مستوى التمدرس لدى النساء، خلافاً للماضي حيث كانت الصلاة في المصلى والمساجد تقتصر على الرجال فقط. كما أن عادة شراء الملابس للأطفال وأخذهم إلى الصلاة لا تزال قائمة.
أما بالنسبة لعادة “صلة الرحم”، فهي أيضاةما تزال حاضرة، ولكن التغيير الذي طرأ عليها هو انحصار الزيارة العينية على الأصول من ذوي القرابة القريبة جدا، مثل الأب، الجد، الأخ، وبعض الأحيان العم والعمة، الخال والخالة، خلافا للماضي حيث كانت شبكة الزيارات أوسع بكثير، وكما كان يحدث في الماضي، تنطلق الزيارات من الأقارب الأقرب ثم تتسع تدريجيا لتشمل البعيدين، ورغم كل هذا لا تزال التمغربيت حاضرة، وأن أجواء العيد المغربية بخير ولا خوف عليها.