إعداد : عماد المجدوبي
منذ ما يزيد عن العقدين من الزمن، تحولت التجربة المغربية في مجال التصدي للخطر الإرهابي إلى نموذج يحتذى به عبر العالم، تتقاطر عليه أقوى أجهزة الأمن عبر العالم لطلب خبرته وتعاونه.
استراتيجية المملكة في هذا المجال تقوم على محاور متعددة، على رأسها قوة أجهزته الاستخباراتية التي ساهمت في التصدي لعدد من المخططات ليس فقط داخل المملكة، بل على صعيد دول صديقة وشقيقة بفضل تعاون أمني منقطع النظير.
في هذه الحلقات، تسلط جريدة “24 ساعة” الضوء على أحداث وقضايا، استطاعت الأجهزة الأمنية المغربية أن تتصدى لها باحترافية كبيرة، وتثبت نجاعتها وفعاليتها كفاعل أساسي في حماية أمن وطمأنينة الوطن والمواطنين.
الحلقة الثالثة:
ليلة عيد الأضحى لسنة 2002 الموافق ليوم 23 فبراير، استفاقت ساكنة الحي الصفيحي بسيدي مومن بالدار البيضاء على وقع جريمة قتل شنعاء ضحيتها شاب يدعى فؤاد الكردودي وعثر على جثته مدرجة في الدماء غير بعيد من مسجد عشوائي بالحي.
بعد التحريات التي قامت بها المصالح الأمنية وبناءا على شهادات الشهود، فان الجريمة ارتكبها شبان ملتحين حاصروا الضحية وأشبعوه ضربا. وبعد أن سقط مغمى عليه, انهالوا عليه بالحجارة على رأسه الى أن وافته المنية. وسيتبين فيما بعد أنهم ينتمون الى خلية ارهابية.
سيتم القبض على بعض المعتدين، وأيضا المحرض على ارتكاب الجريمة وهو أبو عبد الله زكرياء الميلودي، والدي يرف بكونه أحد شيوخ التطرف الذين تناسلوا في تلك الفترة. وبدأوا ينشرون سمومهم في أوساط الشباب بمساجد أحياء الصفيح بمختلف المدن المغربية، متأثرين بفتاوى شيوخ التطرف في المشرق والمنتمين للتيار السلفي الجهادي.
عرف الضحية بسلوكاته “المنحرفة” بسيدي مومن واتهم بكونه ” فاجرا”، ولذلك أصدر “الشيخ ” ذي 35 سنة حينها، فتوى رجمه بالحجارة الى الموت تطبيقا لما يعتقده “شرع الله”. وهي الطريقة التي نفذ أفراد الخلية التي أطلق عليها “الصراط المستقيم, جريمة قتله.
قبل أن ينفذ أفراد جماعة الصراط المستقيم تلك الجريمة, عرفت المنطقة عددا من حوادث الاعتداء تحت مسمى “التعزير”، وأيضا السرقة أو ما يسمونه ” الفىء”. وكانت تلك الجرائم تسجل على اعتبار انها جرائم عادية دون أن يتم الانتباه الى أن دافعها هو الفهم الخاطىء للدين, وأن واءها عناصر تشبعت بالفكر المتطرف. وستظهر الكثير من الحقائق حول خلايا الارهاب ومخططاتها الدموية بعد تفجيرات 16 ماي بالدار البيضاء.
كانت جماعة الصراط المستقيم في طور التشكل وعلى ارتباط بعدد من شيوخ السلفية الجماعة ممن سيعتبرون فيما بعد من منظري التيار السلفي الجهادي, ولم تتضح طبيعتها ومخططاتها التخريبية الا بعد أن كشفت المصالح الامنية حقيقية الجماعات المتطرفة التي بدأت في التشكل كخلايا سرطانية في جسد المجتمع المغربي.
ولذلك فرغم أن القضاء، في حكمه المتعلق بهذه القضية، قد نفى وجود جماعة تحمل هذا الاسم وبرأ زكرياء الميلودي من تهمة إصدار فتوى القتل، وادين بتهمة النصب والاحتيال حددت عقوبتها في غرامة مالية بسيطة وسنة حبسا نافذا أكملها في أبريل 2003، فإن السلطات كان لها رأي آخر، حيث أصرت على وجود جماعة باسم « الصراط المستقيم » وأعيدت محاكمة زكريا الميلودي بتهمة المشاركة في الإعداد لاعتداءات 16 ماي 2003 التي استهدفت مدينة الدار البيضاء وقضي في حقه بالمؤبد.
وكانت تحريات المصالح الامنية قد أشارت إلى أن القتل تم “رجما بالحجارة” بناءً على فتوى صدرت من ميلودي زكريا.
والمؤكد حسب التحقيقات الأمنية، أن زكرياء الميلودي الأمير الروحي والعقل المدبر لجماعة تشبعت بايديولوجا التطرف وكفرت الدولة والمجتمع، ولا تؤمن سوى بالعنف، وكان له مجموعة من الأتباع, فهو كان يعتبر أن اللجوء إلى العنف ضد المرتدين واجب شرعي، كما كان يدرج الأحزاب والحكومة والديمقراطية والوطنية والمجتمع المدني والعلمانية ضمن الكفريات.
وعلى باقي جماعات السلفية الجهادية, فان زعيم جماعة الصراط المستقيم يعتبر أن الديموقراطية كفر و” الأحزاب تشرع الكفر بدلا من دين الله والدولة تعلن الكفر، والعلمانيون كفرة والعنف مع المرتدين شريعة رب العالمين” وأن ” التحاكم إلى القوانين التي يضعها البشر سواء كانوا أفرادا أو كانوا جماعات وأحزابا، أو كانوا حكومات هو كفر بالله وشرك به” .
بقي الميلودي زكرياء, زعيم الجماعة الذي أدين بتهمة القتل العمد مع سابق الإصرار والترصد,قابعا بالسجن المركزي بمدينة القنيطرة. حيث كان يقضي عقوبة السجن المؤبد.الى أن توفي يوم الثلاثاء 14 نونبر 2006, وطيلة الفترة التي قضاها وراء القضبان كغيره من المدانين في قضايا الارهاب، ستتمكن المصالح الامنية من تفكيك العشرات من الخلايا التي تشبعت بعقيدة التطرف وخططت لازهاق الاوراح البريئة وتخريب الممتلكات وزعزعة الأمن والاستقرار ببلدنا.
مراجع:
– محمد مصباح : الجهاديون المغاربة : جدل المحلي والعالمي , مركز الجزيرة للدراسات 2021