إعداد : عماد المجدوبي
منذ ما يزيد عن العقدين من الزمن، تحولت التجربة المغربية في مجال التصدي للخطر الإرهابي إلى نموذج يحتذى به عبر العالم، تتقاطر عليه أقوى أجهزة الأمن عبر العالم لطلب خبرته وتعاونه.
استراتيجية المملكة في هذا المجال تقوم على محاور متعددة، على رأسها قوة أجهزته الاستخباراتية التي ساهمت في التصدي لعدد من المخططات ليس فقط داخل المملكة، بل على صعيد دول صديقة وشقيقة بفضل تعاون أمني منقطع النظير.
في هذه الحلقات، تسلط جريدة “24 ساعة” الضوء على أحداث وقضايا، استطاعت الأجهزة الأمنية المغربية أن تتصدى لها باحترافية كبيرة، وتثبت نجاعتها وفعاليتها كفاعل أساسي في حماية أمن وطمأنينة الوطن والمواطنين.
الحلقة الثانية:
قبل انهيار ما سمي بـ ” الاستثناء المغربي” بعد تفجيرات 16 ماي 2003 التي استهدفت خمسة مواقع بالدار البيضاء شهدت مدينة مراكش قبل ذلك اعتداءا ارهابيا دمويا تسبب في مقتل سائحين إسبانيين وجرح سائحة فرنسية وموظفة مغربية.
كان ذلك يوم 24 غشت من عام 1994، حين قام عدد من الملثمين الجزائريين يحملون الجنسية الفرنسية بالهجوم بالأسلحة على فندق أطلس أسني الشهير بالمدينة الحمراء. وأشارت التحقيقات إلى أن الهجوم كان جزءًا من مخطط إرهابي أوسع يستهدف عدة مدن مغربية، بما في ذلك فاس.
حينها توجهت أصابع الاتهام إلى جهات مرتبطة بالمخابرات الجزائرية، تورطت في تمويل وتخطيط وتنفيذ هذه العملية. وكان من بين الأدلة اعترافات عملاء المخابرات الجزائرية، مثل كريم مولاي، الذي أقر بدور المخابرات الجزائرية في التخطيط والتنفيذ.وأنه تم تدريب المنفذين الرئيسيين في تندوف بالاشتراك مع عناصر من “البوليساريو”. كما ذكرت بعض الصحف، مثل “ليبراسيون” الفرنسية، أن الشخص الذي أعطى الأوامر كان لاجئًا سياسيًا بالجزائر وعمل في صفوف “البوليساريو” بمباركة المخابرات الجزائرية.
بعد الحادث تم إلقاء القبض على ثلاثة جزائريين هم : الجزائري هامل مرزوق و الفرنسي من أصل مغربي حمادي رضوان والفرنسي ستيفان أيت إيدر الذي قيل بأنه قائد الكوماندو الذي نفذ التفجير الارهابي، حيث أدين الأوّلان بالسجن المؤبد وحكم على الثالث بالإعدام.
في تلك الفترة, تشكلت عدد من الجماعات الارهابية بالجزائر منها الجماعة الاسلامية المسلحة وجماعة التكفير والهجرة وقبلها جماعة الاخوان المسلمين والهجرة والتكفير بمصر: كما بدأت أفغانستان تعرف توافد عدد ممن يسمون حينها ب” المجاهدين” للقتال ضد “العدو الروسي”. تلك وقائع سيكون لها ما بعدها.
اعتبر الاعتداء الارهابي بفندق أطلس آسني بمثابة حادث مأساوي لكنه كشف حقيقة المؤامرات الداخلية والخارجية التي تستهدف أمن واستقرار المملكة. ولم تتردد السلطات المغربية إغلاق الحدود أمام الجزائريين إلى يومنا هذا وفرض التأشيرة على عليهم كاجراء احترازي من تكرار مثل ذلك المخطط الارهابي.
وسيتبن فيما بعد أن المخابرات الجزائرية ومعها نظام معمر القذافي الداعمان لانفصاليي البوليزاريو يعدان مخططات تخريبية لاستهداف المملكة، بل كشفت بعض أعضاء الشبيبة الاسلامية السابقين أنهم تلقوا تدريبات بمعسكرات تندوف. خاصة بعد تردد عبد الكريم مطيع على الجزائر واتخاذه موقفا مغايرا من مغربية الصحراء ومساندا للبوليساريو ، وايمانه بالعنف الاعمى كوسيلة لقلب النظام .
ومن بين تلك الشهادات تلك التي نشرت في عدد من المنابر الوطنية لعبد الرحيم مهتاد الذي انضم إلى الشبيبة الاسلامية سنة1976 ، وتدرج فيها حتى صبح مسؤولاً عن شراء الأسلحة. وفي عام 1983 أصبح مشرفا على معسكرات عسكرية للتدريب في ليبيا والجزائر, وبسبب نشاطه لزعزعة استقرار النظام الملكي، حُكم عليه بالإعدام غيابياً في سنة 1985، واعتقل بمطار محمد الخامس بالدار البيضاء سنة 1989 بعد ترحيله من الجزائر ، ثم سجن في معتقل درب مولاي الشريف, وحكم عليه بالسجن المؤبد. ليتم إطلاق سراحه بعد خمس سنوات من الاعتقال بعفو ملكي.
وبينما اعتقل الرجل الثاني إبراهيم كمال وكثيرون آخرون، فرَّ مطيع إلى المملكة العربية السعودية حيث مكث خمس سنوات قبل أن ينتقل إل ليبيا عام 1980. أقام في الجزائر مدة من الزمن ثم عاد مرة أخرى إلى ليبيا التي ظل منفيا فيها إلى غاية اندلاع الثورة الليبية واسقاط نظام القذافي، حيث انتقل إلى بريطانيا بعدما طلب اللجوء إليها. وظل يحمل على كاهله حكما غيابيا عام 1980 بالسجن المؤبد وعام 1981 بالإعدام، وفي عام 1985 صدر في حقه حكم ثان بالإعدام.
وبعد اعتقال جزء من أعضاء الشبيبة الاسلامية أبرزهم إبراهيم كمال وفرار عبد الكريم مطيع إلى الخارج، شهدت تلك المرحلة انتشارا لتيارات تستغل الدين وتتستر وراءه لتنفيد مخططات خارجية على غرار جماعات التطرف والارهاب ومصر وغيرها. وأغلب أعضائها سيستمرون في نشر ثقافة الحقد والكراهية سواء في المساجد أو في الجامعات استنادا لقراءات متشددة تبناه شيوخ جماعة الجهاد والهجرة والتكفير. وهي نفس الايديولوجية الدموية التي ستكون وراء أعمال ارهابية عديدة ارتكبتها فيما بعد جماعات متطرفة.