للسنة الثالثة على التوالي، يقودنا الدكتور الطيب بوتبقالت، أستاذ التاريخ المعاصر وعلوم الإعلام والاتصال بمدرسة الملك فهد العليا للترجمة- طنجة، ضمن هذه السلسلة التي تنشرها جريدة “24 ساعة” عبر حلقات، في رحلة رمضانية لسبر أغوار التاريخ المغربي من خلال فتح صفحات حرب الريف وارتداداتها على الصعيد الدولي.
ويسلط الأستاذ بوتبقالت في هذه الحلقات الضوء على موقف الرأي العام الدولي، من خلال عدد من المحاور، ومنها الدور الذي لعبته وسائل الإعلام الغربية، وكيف اختارت خطا تحريريا منحازا، بل تم استغلال المراسلين الصحفيين ضد ساكنة الريف المغربي.
فيما تسلط هذه الكتابات أيضا الضوء على وقوف صحافة أمريكا اللاتينية إلى جانب الريفيين، في سياق الدعاية الفرنسية التي جندت وسائل الإعلام الغربية.
الحلقة الثالثة والعشرون:
تتبع الرأي العام الاسكندنافي باستمرار تطورات الريف، وكانت الاتجاهات متضاربة ولكن يغلب عليها تعاطف الاسكندنافيين مع المقاومة الريفية. وكان من أبرز الأصوات التي تعالت لتفضح الهجمة الاستعمارية الشرسة على المغرب وأساليبها الدعائية المبتذلة، صوت الكاتب والصحفي السويدي «سفين هيدين» الذي تميز بنشاطه الإعلامي المكثف، حيث أن مقالاته كانت تنشر حتى في صحف غير سويدية مثل صحيفة طاكس انتسايجر السويسرية، وتخلف أصداء واسعة.
وهو ما كان يثير حفيظة السلطات الكولونيالية المتألبة على الريفيين، لأن صوتا كهذا لا بد و أن يحدث تأثيرا ما على الرأي العام الأوربي، أو على الأقل يضايق الدعاية الاستعمارية الرسمية. وهذا ما دفع برئيس مجلس الوزراء الفرنسي، عضو الحزب الاشتراكي الجمهوري، بول مانلوفي، للرد على مقالات الكاتب السويدي في حديث خص به جريدة فيكو جورنال السويدية يوم 25 دجنبر 1925، محاولا دحض ما ورد في كتابات سفين هيدين: «إنني جد سعيد لتفنيد محاولات السيد سفين هيدين الرامية إلى تمجيد عبد الكريم.
هل سفين هيدين يجهل أن فرنسا هي التي أعتدي عليها، وأنها كانت مجبرة على الدفاع عن نفسها؟ ليست فرنسا سفاحة إلى هذه الدرجة حتى تدخل في حرب جديدة ! إن سبب الحملة العسكرية الفرنسية في المغرب هو ذلك الاعتداء الذي لا يمكن لأي شعب السكوت عنه. إن واجبنا يفرض علينا حماية القبائل (…) أما فيما يخص اتهام الجيوش الفرنسية باستعمالها الغازات السامة ضد الريفيين، فهذا محض افتراء».
بعد مرور ثلاثة أيام على نشر هذا المقال، أعطت الجريدة السويدية، بتوقيع الكاتب و الصحفي سفين هيدين ، مزيدا من الإيضاحات التي كانت تستهدف تنوير الرأي العام السويدي قبل كل شيء، حيث أنها لم تقف عند جرد الأحداث الجارية وحسب، بل أعطت بيانات عن الجذور التاريخية للمسألة الكولونيالية بالمغرب، ولم تقصد المجادلة من أجل المجادلة وإنما كانت تستهدف ملامسة الواقع وإزاحة ستار الدعاية الاستعمارية: «تملك فرنسا شعور بالخوف وأحست أنها كانت مهددة على الحدود الغربية الجزائرية.
لهذا نظمت حملات عسكرية ضد المغرب الذي كان آنذاك دولة ما زالت تنعم بسيادتها. بعدها، تبين لفرنسا أن أمنها كان مهددا كذلك في المغرب الأقصى، فقررت قصف الدار البيضاء والاستيلاء عليها. و ما إن مر وقت قصير على هذا الحدث حتى اتضح لفرنسا أن احتلال الدار البيضاء لا يعطيها ضمانة أمنية كافية، فقامت بالاستيلاء على إقليم الشاوية، وادعت بعد ذلك أن المغرب كان يمارس سياسة عدوانية ضد المقاولات الفرنسية». وحتى تتمكن من «الدفاع عن نفسها»، يكتب الصحافي السويدي متهكما، توغلت فرنسا في قلب المغرب واستولت على مدينة فاس.
وهكذا ربط الجيش الكولونيالي خطا متصلا: فاس- تازة. و بدأ الزحف الفرنسي من الأطلنطي في اتجاه فاس، ومن الجزائر في اتجاه الغرب. وهكذا رأى المغاربة «حريتهم تداس تحت الأقدام». ولإضافة مزيد من القدح للدعاية الكولونيالية، كتب سفين هيدين: «بالنسبة لأولئك الذين يتابعون باهتمام منذ عشرين عاما التوسع الاستعماري الفرنسي بالمغرب، أو بعبارة المارشال ليوطي توسع «بقعة الزيت» في البلاد، فإنه لا حاجة لهم بمعرفة من يوجد في وضع المعتدى ومن يكافح من أجل حرية بلده».
اعتمد سفين هيدين في رده على بانلوفي، على ملاحظاته الشخصية وعلى وثائق تاريخية كان من ضمنها مؤلف ألماني يتعلق بالسياسة الأوربية الخارجية من1871 إلى 1914. و ردا على قول بانلوفي: «إن فرنسا لم تحتل المغرب إلا بعدما أعتدي عليها»، فإن ذلك يدخل في إطار ما سماه سفين هيدين ب «الحقائق الدبلوماسية». و بالمقابل عندما يؤكد الصحافي السويدي أن احتلال الساحل الشمالي المغربي من طرف فرنسا كان سيؤدي حتما إلى نشوب حرب بين فرنسا وبريطانيا، فإن الفرنسيين يقولون إن هذه الفكرة مستمدة قبل كل شيء من دعاية ألمانية محضة.
وأما فيما يتعلق بالغازات السامة الخانقة التي استعملت في المغرب ضد الريفيين، فإن سفين هيدين أعاد نشر ما أدلى به في هذا الصدد خبير فرنسي، هو لويس فور من أكاديمية الطب، الذي نصح باستعمال مكثف لهذه الغازات: «إن استعمال الغازات في الحرب ليس عملا وحشيا، فهي أقل دموية من القنابل اليدوية وفي نفس الوقت أكثر منها فعالية.
لنستعمل إذن الغازات بشكل مكثف ضد قبائل الريف!» أكد الصحافي السويدي أن رئيس مجلس الوزراء الفرنسي على علم من أن المغرب كان يشكل عائقا أمام بناء «فرنسا الكبرى»، التي بعد احتلالها له تكونت لديها مجموعة بشرية تضم حوالي 100 مليون نسمة من سكان المستعمرات، مما مكن فرنسا من تعبئتهم من أجل استغلالهم.
وانتقد الكاتب السويدي سذاجة الرأي العام الفرنسي الذي غرق في بحر الدعاية الاستعمارية إلى درجة أصبح معها يعتقد أنها «دعوة إلى السلام». وكان انتقاده للرأي العام الفرنسي لاذعا ولكن لا يخلو من وعي و تبصر: «ما أكثر الخطابات الفارغة التي ألقيت أمام الجماهير التي يشكل ما يسمى بالرأي العام 90 % منها. إن جهل هذا الغول ذي ال 1000 رأس مدهش حقا وبلاهته ليست لها حدود إطلاقا».
يرى سفين هيدين أن سياسة فرنسا في المغرب كانت تتشابه مع سياسة روسيا القيصرية في ثلاث نقط مع فارق واحد: هو أن قبائل افريقيا الشمالية كانت أقوى وأكثر اعتزازا بالكرامة من قبائل آسيا الوسطى. ويختتم مقالته المعمقة مستعرضا دوافع رده: «لم يكن ردي على السيد بانلوفي بدافع أكاديمي ولكن بدافع يكتسي أهمية بالغة: إن نصف البشرية، من الصين إلى المغرب، هو الآن في حالة ثورة ضد الإمبريالية الأوربية، لقد علمت الحرب العالمية الأولى الشعوب مقارنة قواها بضعف أوربا. إن حرب المغول يغذى فتيلها حريق هائل نشب انطلاقا من حقول الموصل النفطية، و إن الإسلام بدأ يجمع أقواما تحت راية الرسول الخضراء».
لقد اتسم تحليل سفين هيدين بالهدوء وبعد النظر، وكان على بينة بمجريات الأحداث وعلق عليها في إطار شمولي، مع الدقة في تناول معطيات المسألة الكولونيالية واستشراف تداعياتها. وبدا واضحا حبه للسلام الحقيقي ودفاعه عن الحق. ومن هنا نشأ تعاطفه مع الريفيين والمغاربة عامة الذين اعتبرهم أصحاب قضية عادلة، و أكد على أنه من واجب الأصوات المحبة للسلام أن ترتفع عاليا لمساندتهم، وهذا ما فعله هو بالضبط. وكان رد الدعاية الكولونيالية على موقف سفين هيدين منتظرا، حيث اتهمته بتبعيته العمياء للدعاية الألمانية.