إعداد-زينب لوطفي
الرياضيون المغاربة ليسوا مجرد أبطال في ميادينهم، بل هم رموز للعزيمة والإرادة التي تعكس قيم الانضباط، الصبر، والعمل الجاد.
في رمضان، حيث تتعزز الروح الإنسانية والتضامن، نلتقي مع هؤلاء الأبطال الذين استطاعوا أن يصبحوا قدوة للأجيال الجديدة، محققين إنجازات عظيمة على المستويين الوطني والدولي.
في كل حلقة من هذه السلسلة ستأخذنا رحلة عبر مسيرة أحد الرياضيين المغاربة، نستعرض خلالها أبرز محطات حياته المهنية والشخصية، وكيف تحدى الصعاب ليصل إلى القمة. إن قصصهم تحمل في طياتها دروسًا في القوة الداخلية والتفاني في العمل، مما يجعلها مصدر إلهام لكل متابع.
انضموا إلينا في هذه الرحلة الرمضانية المميزة عبر جريدة “24 ساعة” ، وتعرفوا على أبطال المغرب الذين رفعوا اسم بلدهم عاليًا في مختلف المحافل الرياضية.
الحلقة الثانية
سفيان البقالي اسم برز بقوة في سماء ألعاب القوى العالمية، وخصوصًا في سباق 3000 متر موانع، حيث أصبح رمزًا للتحدي والإصرار، وحقق إنجازات رفعت العلم المغربي في المحافل الدولية.
وُلد سفيان البقالي في السابع من يناير سنة 1996، وبدأ شغفه بالركض منذ صغره في الملتقيات المدرسية، بمدرسته حمان الفطواكي، وسرعان ما لفت أنظار الكشافين الرياضيين، انظم إلى نادي أهل فاس، حيث التقى بمدربه كريم التلمساني، الذي رأى فيه مشروع بطل قادر على حمل مشعل الجيل الذهبي لألعاب القوى المغربية.
أول سباق رسمي خاضه البقالي خارج مدينته كان في الدار البيضاء، حيث سجل توقيتًا قدره 5:35 دقائق في بطولة المغرب للفتيان، ومنذ ذلك الحين بدأ مساره نحو التألق في سباقات 3000 متر موانع و1500 متر، مراكماً الخبرة والثقة بالنفس.
في سنة 2014، التحق البقالي بـأكاديمية محمد السادس الدولية لألعاب القوى في إفران، وهو ما شكل نقطة تحول في مسيرته، كانت أولى مشاركاته الدولية في بطولة العالم للناشئين في يوجين (الولايات المتحدة الأمريكية)، حيث احتل المركز الرابع، رغم خيبة أمله في بطولة إفريقيا بمراكش في نفس العام، حيث أنهى السباق عاشرًا، فإن مدربه ساعده على استعادة ثقته بنفسه ليواصل العمل بجد.
في 2015، شارك في بطولة العالم للعدو الريفي وتألق في عدة ملتقيات دولية، لكن الحدث الأبرز كان تأهله إلى أولمبياد ريو 2016، وهو ما عزز حلمه في مقارعة الكبار عالميًا.
أولمبياد ريو 2016
في أولمبياد ريو 2016، خاض البقالي تجربته الأولمبية الأولى بهدف الوصول إلى النهائي فقط، لكنه تجاوز التوقعات بحلوله رابعًا في سباق 3000 متر موانع، ما جعله أبرز عداء مغربي في هذا التخصص، بعد ذلك، بدأت المنافسة الحقيقية مع العداء الكيني كونسيلسوس كيبروتو، الذي كان خصمه الأكبر في السنوات اللاحقة.
في 2017، بدأت ثمار العمل الشاق بالظهور، حيث تألق في الدوري الماسي بروما بحصوله على المركز الثاني خلف كيبروتو، قبل أن يحقق انتصاره الأول على البطل الكيني في ملتقى الرباط، محققًا توقيتًا مذهلًا (8:05.12 دقائق).
في 2018، أحرز ذهبية ألعاب البحر الأبيض المتوسط في تاراغونا (إسبانيا)، وبعد شهر فقط، نجح في كسر حاجز 8 دقائق لأول مرة، بتوقيت (7:58.15 دقائق)، ما جعله أسرع عداء في العالم لذلك العام، هذا التفوق دفع اللجنة الأولمبية لإجراء دراسة علمية على البقالي، لفهم سر تميزه في سباق الحواجز.
بطولة العالم
في 2019، أحرز الميدالية البرونزية في بطولة العالم بالدوحة، كما فاز بسباق 3000 متر موانع في العصبة الماسية.
لكن اللحظة التي غيرت كل شيء في مسيرته كانت في أولمبياد طوكيو 2020 (أقيمت عام 2021 بسبب الجائحة)، وسط توقعات كبيرة، عمل البقالي بتركيز شديد لتحقيق حلمه الأكبر: الميدالية الذهبية الأولمبية. لتجنب التشويش، طلب مدربه منه تجنب وسائل التواصل الاجتماعي والتركيز فقط على السباق. وبالفعل، نجح في التحدي، حيث توج بالذهب، ليصبح أول مغربي يفوز بهذا السباق، ويعيد العلم المغربي إلى منصة التتويج الأولمبية بعد غياب طويل.
في بطولة العالم 2022 في يوجين (الولايات المتحدة الأمريكية)، أضاف البقالي ذهبية جديدة إلى سجله، ثم تألق مجددًا بفوزه بـالعصبة الماسية 2022.
لم يتوقف البقالي عند ذلك، ففي 2023، سجل تاسع أسرع توقيت في التاريخ خلال ملتقى محمد السادس بالرباط، قبل أن يحتفظ بلقب بطل العالم في بطولة بودابست، ليصبح ثاني عداء في التاريخ يحقق لقبين عالميين متتاليين في سباق 3000 متر موانع.
في 2024، واصل البطل الأولمبي والعالمي سفيان البقالي تألقه بمنحه المغرب ذهبية 3000 متر موانع في الألعاب الأولمبية الصيفية دورة “باريس 2024”.
يتميز البقالي بأسلوب جري تكتيكي ذكي، حيث يعرف كيف يتحكم في إيقاع السباق ويوجه طاقته للحظات الحاسمة. إلى جانب تفوقه البدني، يُعرف بشخصيته الهادئة والمثابرة، مما جعله نموذجًا يحتذى به للشباب الطموح في المغرب والعالم العربي.
بفضل إصراره، موهبته، وعمله الجاد، أصبح سفيان البقالي نموذجًا يُحتذى به في الرياضة المغربية والعالمية. إنجازاته لم تقتصر على تحقيق الألقاب، بل ألهمت جيلًا جديدًا من العدائين المغاربة، وأثبتت أن الطموح والعمل الجاد قادران على تحقيق المستحيل.
يواصل سفيان البقالي رحلته في ألعاب القوى، واضعًا نصب عينيه تحقيق المزيد من الإنجازات، وإضافة ألقاب جديدة إلى سجله الذهبي، ليبقى أحد أعظم العدائين في تاريخ المغرب.