كان لافتا أن يخرج نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، ليعترف بالارتفاع الصاروخي للأسعار، ويدعو التجار إلى اتقاء الله وعدم السطو على جيوب المغاربة بالارتفاع الكبير لهوامش الربح التي تم فرضها على اللحوم.
ولأن نزار بركة يمثل الحكومة، في إطار التضامن بين مكوناتها، فقد وجدنا أنفسنا أمام مشهد سريالي تشتمي فيه هذه الحكومة بدورها من الغلاء، فلمن يشتكي المواطن أزمته إذا كان الفاعل التنفيذي لا يهرف ما يفعل مع جيوش “البانضية” الذين يتحكمون في أسواق الجملة وسلاسل الإنتاج والتسويق.
في الواقع، مع اقتراب شهر رمضان المبارك، يملأ الأمل نفوس المغاربة ويترقبون أيامًا مليئة بالروحانية والعبادات. ولكن، مع هذا الإحساس بالاحتفاء بشهر عظيم، يواجه المواطن المغربي أزمة اقتصادية لا تقل قسوة عن أي أزمة أخرى في يومياته.
بينما تعلن الحكومة عن إجراءات وتدابير تهدف إلى تقليل الأسعار وضبط الأسواق، أنفقت من أجل ميزانيات ضخمة ملأت جيوب اللوبيات الاقتصادية، يجد المواطن نفسه أمام واقع مرير، غارق في غلاء أسعار السلع الأساسية، خصوصًا اللحوم والخضروات، مما يجعل المائدة الرمضانية- كما كانت في سنوات سابقة- حلمًا بعيد المنال، حتى إن عددا من المواطنين نشروا تدوينات ساخرة يقولون فيها إن مائدة اليوم الأول ستكون مثل اليوم الآخر من رضمان، حيث تختفي “الشهيوات”، وتلجأ الأسر إلى “البريكولاج”.
تعد اللحوم أحد المكونات الأساسية للمائدة المغربية، لكن واقع الحال هذه السنة كان قاسيا على الكثيرين. فلم تنخفض سعر لحوم البقر عن 100 درهم للكيلوغرام. هذا الأمر يثير العديد من التساؤلات حول قدرة الحكومة على ضمان فعالية قراراتها، وهو ما يعتبره الكثيرون تحاملًا على الطبقات الفقيرة والمتوسطة، التي تجد نفسها أمام خيارين تقليص الاستهلاك اللحوم، او اللجوء إلى خيارات أخرى غير معروفة المصدر.
ومن جانب آخر، ورغم التصريحات الرسمية التي تحذر من الزيادة في الأسعار وتدعو إلى مراقبة الأسواق، نجد أن هذه الإجراءات تظل في أغلب الأحيان دون تأثير يذكر على أرض الواقع. فتساؤل المغاربة في الشارع يبدو في محله: “واش الحكومة كدير شي حاجة باش تراقب الأسعار ولا غير هضرة فهضرة؟”.
صحيح أن هناك عددا من اللجان التي تتجول في الاسواق، لكن دورها يظل محدودا. فلا يمكن لهذه اللجان ان تتدخل لمنع تاجر من فرض الأسعار التي يريد، لأنه بدوره يشتكي من لهيب الأسعار نتيجة كثرة المتدخلين من مضاربين ووسطاء.
ولأن مائدة الإفطار المغربية لا تخلو من الحريرة، فإن الوضع هذه السنة يشكل تحديا حقيقيا. ذلك أن سعر الطماطم تجاوز 10 دراهم للكيلو في بعض الأسواق. وهذا الارتفاع في الأسعار يثير دهشة واستياءً كبيرًا، خاصة مع الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها المواطن المغربي. الطماطم، التي كانت في الماضي من السلع الرخيصة والمتوفرة، أصبحت اليوم سلعة مكلفة يصعب على العديد من الأسر تحمّلها في إطار ميزانيتهم المنخورة.
وتطرح هذه الزيادة في أسعار الطماطم تساؤلات حول الأسباب الحقيقية وراء هذا الارتفاع المفاجئ. هل هو ناتج عن عوامل طبيعية مثل الجفاف أو التقلبات المناخية التي أثرت على الإنتاج الزراعي؟ أم أن هناك أسبابًا مرتبطة بنظام التوزيع والوساطة في الأسواق، التي قد تؤدي إلى زيادة الأسعار بشكل غير مبرر؟
يجري ذلك بينما خرجت بعض الأطراف في الأغلبية الحكومية لتؤكد بأن الغلاء أصبح يشكل معضلة حقيقية لا يمكن تجاهلها، وهو ما يعكس حجم الأزمة التي تعيشها الحكومة في تدبير الملف الاقتصادي. ومع هذا الاعتراف، يطرح السؤال البديهي: هل ستجد الحكومة حلولًا حقيقية لمواجهة هذه الأزمة؟ وكيف يمكن للمواطن المغربي أن يلمس نتائج ملموسة على أرض الواقع؟
من خلال تصريحات بعض المسؤولين، يمكن ملاحظة أن هناك وعيًا حكوميًا بالمشكلة، ولكن يبدو أن الإجراءات المتخذة حتى الآن لم تكن كافية لمعالجة الأمر بفعالية. بل أكثر من ذلك، يبدو أن هناك تناقضات واضحة بين ما يُعلن وما يُنفذ على أرض الواقع. فبينما يتم الحديث عن دعم المواد الأساسية والمراقبة المستمرة للأسواق، يجد المواطن نفسه في مواجهة معاناة مستمرة بسبب الأسعار المتزايدة، بل أكثر من ذلك، يرى أن الأسواق في كثير من الأحيان تتحكم فيها قوانين غير مرئية تجبره على الدفع فوق طاقته.
وبالطبع، هذا الاعتراف من بعض الأطراف في الحكومة يمثل خطوة نحو فهم حقيقة الوضع، لكنه لا يعفي الحكومة من المسؤولية في إيجاد حلول عملية. فالمشاكل لا تُحل عبر التصريحات، بل تحتاج إلى إجراءات ملموسة تضمن للمواطن المغربي أسعارًا عادلة، وتسهم في تحسين وضعه المعيشي بشكل حقيقي..حتى لا ن انفسنا ذلت صباحا نتزاحم مع وزراء على “مطيشة” في الأسواق الشعبية.