علمتنا جائحة فيروس كورونا أن البقاء للأجمل والأفيد وليس للأقوى والأتفه، ولكن وسط هذا الابتهاج بعودة الحيوية لإعلامنا الوطني الذي استعاد وظائفه الأساسية في التوعية ومد الناس بالمعلومة من مصادرها الحقيقية لا “المطلعة جدا” بلا سند..سيكون علينا أن نعد جنازة -بعد زمن فيروس كورونا، حين يصحو العالم ليعد خساراته التي ستكون فوق ما جنته البشرية من الحربين العالميتين، ليس في الأرواح فقط بل في انهيار نظام اقتصادي وقيمي برمته- تليق بموت الصحافة الورقية مثل فارس أخير سيعجل بفنائه فيروس كورونا، أتوقع أن ما تبقى من قراء هذه الصحف ممن حافظوا نخوة التقاليد الأصيلة لملامسة الجريدة مثل جسد أنثى بفرحة العشاق وقيم النبلاء، سيندثرون تباعا، وكلما طال انتشار الوباء المعولم، سيزداد كسل مقتني الصحف الورقية وسيعتاد القراء وصولها إليهم على شكل “بي دي ف”، حتى قبل موعد الصدور العادي، وستكيف المقاولات الصحافية نفسها مع سبق الصحافة الإلكترونية رغم البون الشاسع على اعتبار أنها أصبحت مجانية وتصل القارئ بلا أدنى مشقة، إن ما أكلته المقاهي من حصص مقتني الجرائد الورقية بالمغرب، ستتمه جائحة كورونا، وعلى المقاولات التي تصدر الجرائد الورقية أن تعي اليوم حجم التأثير الذي سيمارسه عليها فيروس كوفيد 19، خارج تدني صبيب الإشهار، فهناك الاندحار المفجع للجرائد الورقية الذي أتوقعه في الصحافة الورقية، وبدل الطلب المخجل من الدولة في هذه الجائحة التعويض عن الخسائر كما اقترح بعضهم في اجتماع لفدرالية الناشرين، بما قيمته 70 بالمائة من رقم المعاملات التجارية لشركتين كبيرتين، وهو ما ينم برأينا عن انتهازية غير مسبوقة في ظرف سارعت فيه الدولة- رغم إكراهاتها الاقتصادية وبكرم حاتمي للتعبير عن تفهم حقيقي لأزمنة الصغار ممن فقدوا عملهم بسبب الجائحة، والذي يساوي مجموع تعويض ألف عامل من الذي فقدوا وظائفهم من المصرحين لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أجرا شهريا لمدير واحد من هذه الجرائد الإمبراطورية.. لقد آن الأوان لتبحث الجرائد الورقية عن جنازة تليق بها في زمن الرقمنة والعمل من بعد، فهذا هو المستقبل ومن يريد معاندة هذا الواقع المؤسف حقا، سيجد نفسه ينتج منتوجا لا يشتريه أحد، والاستنجاد بالدولة قد يؤجل الموت الوشيك لا غير.
فيروس كورونا يسدل الستار عن رحيل الصحافة الورقية ..فهل ستكون جنازتها بهذا الصمت ؟
اشترك في النشرة الإخبارية
كن مواكبًا! احصل على آخر الأخبار العاجلة التي يتم إرسالها مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
من خلال الاشتراك، فإنك توافق على شروط الاستخدام وتقر بممارسات البيانات الواردة في سياسة الخصوصية. يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت.