Monday, October 21, 2019
الرأي

المواطنة مطلب المرحلة

>خديجة سبيل خديجة سبيل
يناير 21, 2017

أبدأ من حيث انتهت مقالة افتتاحية العدد السابق من المجلة : شروط المواطنة الحقة، وأنا أتساءل من جديد حول ضمانات توفير هته الشروط،  وضمانات تفعيلها في الواقع. أستحضر كل ذلك ونحن نعيش على وقع العديد من الأحداث التي أثارت الرأي العام في المغرب، وجعلته يخرج في مسيرات سلمية بالعديد من المدن، تضامنا مع حادث المواطن محسن فكري.  وهي قضية نجحت مرة أخرى مواقع التواصل الاجتماعي في تأجيج فتيلها، والتقطها الإعلام  الدولي،  ففتحت الباب على الكثير من القراءات البريئة والمغرضة، التي رأت في ردة  فعل الشارع إشارة لاندلاع الفتنة، وربما إدخال البلد في دوامة  من الاحتجاجات غير محمودة العاقبة،   في الوقت الذي اعتبرها البعض الآخر إشارة  على قوة وعي المواطن (ة) بقضايا محيطه، وتفاعله معها بحس وطني مسؤول، يضحض تأويل من راهن على فرضية العزوف السياسي ، وهي التي كان  يبرر بها فشل النخب السياسية التي خلقت بينها وبين هموم المواطن البسيط حاجزا جليديا،  لن تذيبه سوى الدلائل العملية والبراهين الحقيقية التي ترى في  المواطن الحلقة الأقوى والأهم في أي تغيير.

كثيرة هي المحطات التي يصادفها هذا الشهر و تجعل من سؤالنا حول المواطنة مشروعا من حيث الظرفية والسياق.  فخلال هذا الشهر يحتفل المغرب بمناسبتين وطنيتين:  الأولى ذكرى المسيرة الخضراء التي تصادف السادس من شهر نونبر، وبعدها احتفال المغاربة بعيد الاستقلال الذي يصادف الثامن عشرمن نفس الشهر، وبين التاريخين سيحتضن المغرب الملتقى الدولي “كوب22 ،  وهو ملتقى يسعى في الإجابة على الإشكالات المناخية التي تهدد وجودنا في كوكب الأرض.

60 سنة بعد الاستقلال، و 41 سنة بعد المسيرة الخضراء، حدثان طبعا تاريخ المغرب المعاصر، وكان لهما التأثير الكبير، على مواطن ماقبل وبعد الألفية. حاول المغرب منذ الاستقلال تحقيق نمو مؤسساتي لبناء دولة ديمقراطية، قام خلالها بخمس تعديلات دستورية.  كما عرف مغرب مابعد الاستقلال تعددية حزبية ، وعرف كذلك إحداث مؤسسات عمومية تخدم دولة الحق والقانون.  ولست  في هذا المقام ، بصدد  تقديم جرد بكل الإنجازات التي تحققت منذ الاستقلال، أوكذلك الاحتفاء بذكرى المسيرة، وإعادة نفس نوستالجيا الصور التي تحفظ رمزيتها، بل  يهمني التركيز على نفس الحلقة التي قد يتغير موقعها بين مستوى الأقوى والأضعف، وهي حلقة المواطن الذي كان له كل الفضل في تحقيق الاستقلال لهذا البلد.  هذا المواطن نفسه  هو الذي استجاب   بكل عفوية لنداء المسيرة، مفتخرا بانتمائه لهذه الأرض، مبديا حرصه  على أمنها وسلامتها وعزتها.  هو المواطن عينه الذي لو أشركناه حقا في هواجسنا البيئية،  للبى مطلبي الانخراط والالتزام.  هو المواطن ذاته  الذي لو وضعنا اعتبارا لحاجياته، وقيمة لبحثه اليومي عن قوت عيشه، لقابل الحقوق بالواجبات، و ما كنا مضطرين إلى الاستعانة بحاويات الأزبال لتطبيق القوانين. ولو كانت المؤسسات تقوم بالدور الذي خلقت لأجله، لما اضطر نفس المواطن من طنجة إلى الكويرة، ومن الحسيمة إلى الجديدة، مع كل حادثة،  يطلب الاستغاثة  من أعلى سلطة في البلاد، وتصير  “وا معتصماه”  طوق النجاة الوحيد، لبلوغ حلم المواطنة المنشود.

ولعله يبدو أنه قد تم بناء المؤسسات ، وترسب منسوب معتبر من التطور المؤسساتي للمغرب  على الصعيد السياسي بشكل أساس، لكن يبدو، أن حظ الاهتمام بالتشييد المؤسساتي لم يقترن في المسار التحديثي للمغرب  باهتمام مواز وبنفس المنسوب  من الانشغال بتحديث قيم الأفراد وتأهيلهم في مواطنتهم، فيتحقق بذلك من جهة  التطور النافع للمؤسسات ، ثم تطور الأفراد وتأهيلهم من خلال مواطنة كريمة.

ثمة  شروط  إذن  قد فاحت رائحاتها  من حاوياتها،  تستعجل  أن يصير رأس الاستثمار كله في البلاد،  في  هذا المواطن، وفي هذه  المواطنة، فهما  أصل الاستقرار، وأصل التنمية ، ومنبت البناء والتشييد. إن أي تطور مجتمعي  ينشد التطور والتحديث ، نعتبره أمرا لن يستقيم له ذلك،  إلا إذا  كان مدخله لكل ذلك هو الاستثمار في تأهيل المواطنة،  فتصير بمستوى  ما يتطلع إليه مواطن القرن الواحد والعشرين،  ومثيله  في المجتمعات المثلى متحرر من قيود الاستغلال والقهر الاجتماعي  والتهميش الثقافي.  كما يتعين الاستثمار في المواطن لجعله أهلا لتلك المواطنة ، ومنافح عنها وبالغ بها الكرامة  والمساواة اللتين هما لبنتا كل استقرار وتنمية معا.

ينشر بإتفاق مع مجلة “نساء المغرب”.

خديجة سبيل
خديجة سبيل رئيسة تحرير "مجلة نساء"

Comments

No comments found!

Leave a Comment

Your email address will not be published.

Login Registration
Remember me
Lost your Password?
Login Registration
Registration confirmation will be emailed to you.
Password Reset Registration
Login