24 ساعة-متابعة
ظهرت أزمة الجراد الصحراوي كواحدة من أخطر التهديدات للزراعة والأمن الغذائي في إفريقيا والشرق الأوسط، بسبب التغيرات المناخية المتسارعة التي يشهدها العالم.
في هذا السياق، أكد الخبير البيئي مصطفى بنرامل، رئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ، أن هذه الحشرة الصغيرة التي قد لا يلتفت إليها المرء لوحدها، تتحول عند تكاثرها إلى قوة مدمرة لا تقهر، قادرة على اجتياح مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية وتدمير المحاصيل التي يعتمد عليها ملايين البشر في غذائهم اليومي.
وأشار بنرامل في تحليل خص به “24 ساعة”، إلى أن تقديرات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) تؤكد أن سربا واحدا من الجراد بمساحة كيلومتر مربع فقط يمكنه استهلاك كمية من الغذاء تكفي لإطعام 35 ألف شخص في يوم واحد.
ويضيف الخبير البيئي أن الأمر الأكثر إثارة للقلق هو قدرة هذه الأسراب على قطع مسافة تصل إلى 150 كيلومترا يوميا، مما يجعلها تنتشر بسرعة مخيفة عبر الحدود الدولية.
وفي هذا الصدد، ذكر بنرامل أنه في المغرب، شهدت مناطق درعة وطاطا وتزنيت خلال العام الجاري موجات متتالية من غزو الجراد، مما أثار مخاوف المزارعين والسلطات على حد سواء.
يكمن الخطر الحقيقي للجراد الصحراوي، حسب تحليل بنرامل، في قدرته الخارقة على التكاثر، حيث تضع أنثى الجراد الواحدة ما بين 95 إلى 158 بيضة في المرة الواحدة، ويمكن لهذه البيوض أن تبقى كامنة في التربة لمدة تصل إلى 15 عاما.
وأشار بنرامل إلى أنه عندما تجتمع عوامل الرطوبة ووفرة الغطاء النباتي ودرجات الحرارة الملائمة، يتحول الجراد من حشرة منعزلة إلى سرب جائع يتحرك ككتلة واحدة مدمرة.
وفي معرض حديثه عن استراتيجيات المواجهة، يلفت بنرامل الانتباه إلى تعدد الوسائل المتاحة، بدء من الأساليب التقليدية ووصولا إلى الحلول التكنولوجية الحديثة.
وذكر المتحدث ذاته في تحليله، أن العديد من الدول تعتمد على المبيدات الكيميائية التي يتم رشها بواسطة الطائرات، لكنه يحذر من أن هذه الطريقة تحمل في طياتها مخاطر بيئية كبيرة.
من هنا، يؤكد بنرامل على أهمية الحلول البيولوجية التي تستخدم الفطريات والبكتيريا الطبيعية، والتي أثبتت فعاليتها مع الحفاظ على التوازن البيئي.
وشدد الخبير البيئي على أن التحدي الأكبر لا يكمن في وسائل المكافحة بقدر ما يكمن في التنسيق الإقليمي والتمويل، حيث إن غزو الجراد لا يعترف بالحدود السياسية، مما يتطلب تعاونا دوليا وتبادلا للمعلومات بين الدول المعنية.
ويضيف المتحدث، أن العديد من الدول الإفريقية تعاني من نقص في الموارد المخصصة لمراقبة ومكافحة هذه الآفة، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بالمنطقة.
وفي هذا الصدد، أشار بنرامل إلى أن المركز الوطني لمكافحة الجراد في إنزكان يعمل على مراقبة تحركات هذه الآفة والتدخل عند الضرورة، لكنه يحذر من أن التحديات تبقى كبيرة.
وأوضح الخبير البيئي أنه مع تغير أنماط الطقس وزيادة وتيرة الظواهر الجوية المتطرفة، يتوقع أن تصبح موجات غزو الجراد أكثر تكرارا وشدة في السنوات المقبلة.
وخلص بنرامل إلى أن الحل الأمثل لهذه الأزمة يكمن في اتباع نهج متكامل يجمع بين الرصد المبكر باستخدام التكنولوجيا الحديثة، واعتماد أساليب المكافحة البيولوجية، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي.
كما شدد على أهمية توعية المزارعين وتدريبهم على كيفية التعامل مع موجات الغزو الأولى، مما يمكن أن يلعب دورا حاسما في الحد من الأضرار.
في ختام تحليله، أكد الخبير البيئي مصطفى بنرامل أن معركة البشرية ضد الجراد الصحراوي ليست مجرد معركة لحماية المحاصيل الزراعية، بل هي معركة من أجل ضمان الأمن الغذائي لملايين الأشخاص، وهي معركة، لا يمكن الفوز فيها إلا من خلال تضافر الجهود وتبني استراتيجيات مستدامة تحقق التوازن بين فعالية المكافحة والحفاظ على البيئة.