الدار البيضاء-أسماء خيندوف
سجلت إفريقيا خلال العقود الماضية معدلات نمو اقتصادي قوية، تجاوزت في بعض الدول حاجز 10%. ومع ذلك، لم يترجم هذا النمو إلى ثورة صناعية حقيقية، بل إن الوضع الحالي يعتبر أسوأ مما كان عليه أواخر الثمانينيات، مع نهاية أولى مراحل التصنيع في القارة.
وبحسب لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا، بلغت مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي لبعض الدول، مثل المغرب وجنوب إفريقيا ونيجيريا ومصر، نسبة 18%، لكنها تراجعت لاحقا إلى 11% وظلت مستقرة عند هذا المستوى منذ ذلك الحين.
عوائق لوجستية تعيق التحول الصناعي
تمتلك إفريقيا مقومات واعدة لتطوير اقتصادها الصناعي، بفضل وفرة مواردها الطبيعية، سواء المعدنية أو الزراعية، إضافة إلى قوة عاملة تعد من الأكبر على مستوى العالم. ويشدد الخبراء على أن “الثورة الصناعية لا يمكن أن تتحقق دون ثورة لوجستية”، حيث تعتبر البنية التحتية عاملًا حاسمًا في تقليص تكاليف التشغيل وتحفيز الصناعات المحلية، فضلا عن دعم الصادرات ذات القيمة المضافة.
وفي هذا السياق، أوضحت مجلة “جون أفريك” الفرنسية أن ضعف شبكات النقل البري وغيابها في بعض المناطق يحدّ من اندماج القارة في التجارة الدولية، إذ لا تتجاوز حصتها 2% من إجمالي الصادرات العالمية.
إضافة إلى ذلك، يعيق هذا الوضع تطوير أسواق إقليمية متكاملة، وهو ما انعكس سلبًا على اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (ZLECAF)، التي لم تحقق بعد أهدافها. ووفقا لتقرير صادر عن الاتحاد الإفريقي لعام 2024، لا تزال التجارة البينية الإفريقية تشكل 18% فقط من إجمالي صادرات القارة، مقارنة بـ 55% في أمريكا الشمالية و69% في أوروبا.
الموانئ.. استثناء في المشهد اللوجستي
تعد الموانئ الإفريقية الاستثناء الوحيد في مشهد البنية التحتية، حيث شهدت تحديثا ملحوظا خلال العقدين الماضيين، مما عزز ارتباط القارة بالأسواق العالمية. ويعود هذا التطور إلى إدراك الحكومات لأهمية الموانئ كأدوات سيادية، مما دفعها إلى ضخ استثمارات كبيرة للحفاظ على مواقعها ضمن الشبكة العالمية للنقل البحري.
وبحسب المجلة الفرنسية، نجحت بعض الموانئ، مثل ميناء طنجة المتوسط في المغرب، في التحول إلى منصات صناعية ولوجستية كبرى، حيث جذبت شركات عالمية، خاصة في قطاع السيارات.
سار ميناء جيبوتي على النهج ذاته عبر تطوير منطقتين تجاريتين حرتين لدعم السوق الإثيوبي، لكنه يظل متأثرا بالاضطرابات السياسية الداخلية. كما أن تكاليف النقل داخل القارة لا تزال مرتفعة، إذ يكلف شحن حاوية من أبيدجان إلى واغادوغو ضعف كلفة شحنها إلى شنغهاي.
رغم هذه التحديات، فقد تضاعف حجم التجارة البحرية الإفريقية ست مرات خلال 15 عامًا، كما استحوذ القطاع على حوالي 15% من الاستثمارات العالمية الموجهة للبنية التحتية.
المناطق الاقتصادية الخاصة.. رهان التصنيع
أكدت “جون أفريك” أن تطوير الصناعة في إفريقيا يظل مرهونًا بربط المناطق الصناعية بالموانئ، مما يجعل القارة وجهة رئيسية للاستثمارات الأجنبية، خاصة في قطاع اللوجستيك. كما شهد هذا القطاع تضاعف الاستثمارات ثلاث مرات منذ عام 2000، ليُمثل اليوم أكثر من 40% من إجمالي الاستثمارات الموجهة للبنية التحتية.
وفي الوقت الذي لم تثبت فيه استراتيجية “الممرات اللوجستية” فعاليتها، باستثناء بعض الممرات المخصصة للصناعات التعدينية مثل ممر لوبيتو، فإن المناطق الاقتصادية الخاصة (ZES) تُحقق نجاحًا أكبر، خصوصًا مع الدعم الحكومي.
وأودت المجلة أن تقديرات منظمة Africa Economic Zones Organization تشير إلى أن القارة تضم حاليًا نحو 220 منطقة اقتصادية خاصة، استقطبت استثمارات تفوق 2.6 مليار دولار. ومن بين الفاعلين البارزين في هذا المجال، تعمل شركة Arise Integrated Industrial Platforms على تصميم وتطوير مناطق صناعية متخصصة وفقا لخصوصيات كل بلد، مثل قطاع الخشب في الغابون وقطاع القطن في بنين.
إلى جانب التحديات اللوجستية، يواجه التصنيع الإفريقي عقبات أخرى، مثل نقص البنية التحتية التكنولوجية وضعف أنظمة التعليم والتدريب المهني، مما يعيق تطوير قطاع صناعي قادر على المنافسة العالمية. كما أن عدم الاستقرار السياسي في بعض الدول يحد من جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
وخلصت “جون أفريك” إلى أنه، على الرغم من هذه التحديات، تعد المناطق الاقتصادية الخاصة ركيزة أساسية في مسار التصنيع الإفريقي، خاصة مع دخول اتفاقية ZLECAF مراحلها المتقدمة نحو التكامل الاقتصادي، ما يعزز آمال القارة في تحقيق ثورة صناعية حقيقية.